محمد جواد مغنية
416
في ظلال نهج البلاغة
لأنه مزّاح هزّال . . واللَّه يعلم والصالحون من عباده أنه ( قال باطلا ، ونطق آثما أما وشر القول الكذب ) في الجد والهزل باتفاق أهل الأرض منذ وجدوا على ظهرها ، ولكن ابن النابعة يتخطى القيم ( انه يقول فيكذب ) بلا خجل من الناس ، ووجل من اللَّه ( ويعد فيخلف ) كما هو دأب الكذوب والمنافق ( ويسأل ) بالبناء للمجهول ( فيبخل ) . والبخل جامع لمساوئ العيوب ، وهو زمام يقاد به لكل سوء كما قال الإمام ( ع ) . ( ويسأل ) بالبناء للمعلوم ( فيلحف ) أي يلح في السؤال ، ويطلب من غيره بإلحاح ما ضنت به نفسه . . وهنا مكان الغرابة ( ويخون العهد ) . والخيانة من علامات الغدر والنفاق ( ويقطع الإل ) . وليس قطع الرحم بغريب على من يغدر ويفجر ( فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو ما لم تأخذ مآخذها ) . انه يحارب . . ولكن بالكلام ، وفي موطن الأمن والأمان ( فإذا كان ذلك ) . أي استعرت نار الحرب ، واشتبكت السيوف والأسنة ( كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته ) . يشير الإمام بهذا إلى ما حدث له مع عمرو بن العاص لما حمل عليه في صفين ، وكشف عمرو عن سوءته لينجو بحشاشته ، فأعطاه الإمام ( ع ) ظهره ، وصار عمرو مثلا لمن يدفع المكروه عن نفسه بالذل والعار ، وفي ذلك يقول الشاعر : ولا خير في دفع الأذى بمذلة كما ردها يوما بسوءته عمرو ( أما واللَّه انه ليمنعني من اللعب ذكر الموت ) . ولا نعرف أحدا على الاطلاق وصف الموت وغمراته وسكراته ، وأنزله حق منزلته كالإمام ( ع ) والشاهد هي أقواله في النهج وغير النهج ، وما انتقلت من موضوع إلى موضوع في خطب الإمام ( ع ) ، أيا كان نوعه - إلا ورأيت معه بطريق أو بآخر التحذير من زينة الحياة وأوزارها ، ومعصية اللَّه وآثارها . . ويصح لقائل أن يقول : ان هذا التحذير هو القدر الجامع والقاسم المشترك بين خطبة كلها أو جلها . . لقد نظر الإمام إلى الدنيا من خلال الموت ، وبه قاس بهجتها وزينتها ، ومن أجل ذلك خاطبها بقوله : فعيشك قصير ، وخطرك يسير وأملك حقير . . وأيضا من أجل ذلك طلقها ثلاثا لا رجعة فيها ، وكلنا يعلم أن أقوال الإمام عين أفكاره ، وان أفكاره عين أفعاله ، وان شخصيته واحدة لا تعدد فيها ، ولا انفصام لها .